الفيض الكاشاني
12
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
يسع للجمع بين مخالطة الخلق ظاهرا والإقبال على اللَّه سرّا إلا قوّة النبوّة ، فلا ينبغي أن يغترّ كلّ ضعيف بنفسه فيطمع في ذلك ولا يبعد أن ينتهي درجة بعض الأولياء إليه فقد نقل عن الجنيد أنّه قال : أنا أكلَّم الله منذ ثلاثين سنة والناس يظنّون أنّي أكلمهم ، وهذا إنّما يتيسّر للمستغرق بحبّ الله استغراقا لا يبقى لغيره فيه متّسع ، وذلك غير منكر ، ففي المستهترين بحبّ الخلق من يخالط الناس ببدنه وهو لا يدري ما يقول وما يقال له لفرط عشقه محبوبه ، بل الَّذي دهاه ملمّة تشوّش عليه أمرا من أمور دنياه قد يستغرقه الهمّ بحيث يخالط الناس ولا يحسّ بهم ولا يسمع أصواتهم لشدّة استغراقه ، وأمر الآخرة أعظم عند العقلاء فلا يستحيل ذلك فيه ولكن الأولى بالأكثرين الاستعانة بالعزلة ولذلك قيل لبعض الحكماء : ما الَّذي أرادوا بالخلوة واختيار العزلة ؟ فقال : ليستديموا بذلك دوام الفكرة ، وتثبّت العلوم في قلوبهم ليحيوا حياة طيّبة ويذوقوا حلاوة المعرفة . وقيل لبعض الرّهابين ( 1 ) : ما أصبرك على الوحدة ؟ فقال : ما أنا وحدي أنا جليس الله إذا شئت أن يناجيني قرأت كتاب الله ، وإذا شئت أن أناجيه صلَّيت . وقيل لبعض الحكماء : إلى أيّ شيء أفضى بكم الزّهد والخلوة ؟ فقال : إلى الأنس باللَّه . وقال سفيان بن عيينة : لقيت إبراهيم بن أدهم في بلاد الشام فقلت له : يا إبراهيم تركت خراسان فقال : ما تهنّأت بالعيش إلا ههنا أفرّ بديني من شاهق إلى شاهق ، فمن رآني يقول : موسوس أو حمّال أو ملاح . وقيل لغزوان الرّقاشي : هبك لا تضحك فما يمنعك عن مجالسة إخوانك ؟ قال : إنّي أصبت راحة قلبي في مجالسة من عنده حاجتي . وقيل : بينما أويس القرني جالس إذ أتاه هرم بن حيّان فقال له أويس : ما جاء بك ؟ قال : جئت لآنس بك ، فقال : ما كنت أرى أحدا يعرف ربّه فيأنس بغيره . وقال الفضيل : إذا رأيت اللَّيل مقبلا فرحت به وقلت : أخلو بربّي ، وإذا
--> ( 1 ) جمع رهبان .